حامى الأرواح

السبت 19 من محرم 1448 هــ
العدد 50979
بعد أن أتم مهمته، وأوقف الحريق المروع الذى هدد «منشأة ناصر» – أكثر مناطق مصر كثافة سكانية – استطاع كبح النيران التى تحولت، بفعل المحتوى التخزينى المتفجر، إلى قنابل موقوتة، كان هدفه هو إخلاء الأبرياء من السكان لحمايتهم، بينما استمر رجاله فى مكافحة البؤر النيرانية الداخلية. وهنا حدثت الكارثة؛ إذ تعرض مبنى مجاور غير مرخص لإجهاد حرارى مفرط، مما جعله يتفكك إلى جزيئات خرسانية، فتفتت الأسمنت فى وقت قياسى وذاب الحديد، ليعقب ذلك انهيار كامل ومفاجئ، دُفن تحته رجال مخلصون وهم يؤدون واجبهم المقدس فى حماية الأرواح؛ رجال الشرطة البواسل الذين أحبوا بلدهم بمحبة لا نظير لها، وضحوا من أجلهم إلى أقصى حدود.
لا أُخفى محبتى واعتزازى بالشهيد اللواء دكتور محمد محمود الشربينى، مساعد الوزير ومدير الإدارة العامة للحماية المدنية، ابن خالى الذى لقى ربه شهيداً راضياً بمصيره، بعد أن أدى الأمانة التى وُكل بها وهى «حماية الأرواح»، ليدخل تاريخ سجل الشهداء الذى تتباهى به مصر جيلاً بعد جيل. غمرنا الفخر بـ «الشربينى الصغير»، ونسيت لحظتها الموت والفجيعة التى شملت أسرته الصغيرة وأطفاله الصغار الذين ينتظرون عائلهم ومبعث ثقتهم، لكن لم تمضِ إلا لحظات حتى فاجأتنى ذاكرتى بدموع أمى «صفية الشربينى» -رحمها الله- وهى تبكى بحرارة موت ابن أخيها المقدم عمرو سعد الشربينى، خوفاً وجزعاً على أخيها اللواء الوزير سعد الشربينى فى عام 1990؛ ذلك البطل الذى راح ضحية الإرهاب والمتطرفين الذين يغتالون بلا وازع من ضمير، حيث كان إلى جوار الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب، فأغرقوهم برصاص الجريمة الغادرة التى لا ننساها ولا تسقط بالتقادم، ولن ننساها لهم ما حيينا، وسوف نورثه لأبنائنا ليعرفوا كيف يحمون بلدنا من شرورهم وإرهابهم. هذه الدموع القديمة تجددت اليوم بعد رحيل «الشربينى الثانى»، محمولاً على أكتاف لواءات وضباط الشرطة المدنية، كأنهم لا يريدون له أن يرحل، وكأنهم يودون لو بقى معهم حياً، تجمعت فى مخيلتى صورة الموقف القديم والجديد معاً، لا تفارقنى؛ أمامى وفى عقلى، يتحرك بها وجدانى وروحى، ولم ينقذنى من وطأتها إلا الصلاة والدعاء بأن يحمى الله مصر من الإرهاب، والتطرف، والفساد، والعشوائيات، والفقر، وأن تتجدد الحياة مهما كلفتنا من معاناة.. فمصر تستحق، وشعبها يستحق حياة أجمل، وأن نهزم الفقر.
