2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

بوتين وترامب فى بكين

السبت 6 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50937
لا يمكن إغفال صورة العالم بعد القمة الأمريكية الصينية بين ترامب وشى جين بينج فى بكين؛ حيث لم يكن الرئيس الأمريكى فى أحسن حالاته، فقد كان يواجه ما نكاد نسميه «الهزيمة الصامتة»، فلم يحقق ترامب أهدافه التى تخيلها فى حربه مع إيران، وبات الفخر بالتدمير بمثابة هزيمة أخلاقية تخلد فى الضمير الإنسانى؛ إذ استأسدت القوة الكبرى على دول العالم الثالث دون جدوى، ووقعت فى فخ السير وراء إسرائيل ونوايا نيتانياهو، عكس ما يزعمه ترامب دائماً.

فى المقابل، حقق الصينيون مكاسب لا حصر لها؛ فالرئيس «شى» أجبر واشنطن سابقاً على الانسحاب المدوى فى معركة الرسوم الجمركية، وبينما كان ترامب عالقاً فى مضيق هرمز وملاحقاً بضغوط أسواق الطاقة وضغوط الرأى العام والكونجرس، استقبل الرئيس الصينى نظيره الروسى فلاديمير بوتين بعد أيام قليلة من مغادرة ترامب.

وجاء هذا الوصول مقصوداً كرسالة سياسية تتجاوز البروتوكول، لتؤكد أن بكين أصبحت مركزاً لإعادة تشكيل التوازنات الدولية، وأن العالم خرج من المدار الأمريكى الأوحد.

لقد فرضت الصين معادلة جديدة أمام الأمريكيين وهى «الاستقرار الإستراتيجى لتجنب الصراع»، ولم يملك ترامب إلا قبولها، مما يعكس تغيرا لأدوار القوى الكبرى ولكن ليس لصالح واشنطن. أما زيارة بوتين الخامسة والعشرون للصين، فتعنى وراثة «التنين الأصفر» للدور الإمبراطورى للاتحاد السوفيتى السابق، وقد دمجت الصين روسيا فى معاهدة بالغة الحساسية تهدف لصياغة نظام عالمى يرفض الأحادية ويسعى للتعاون العادل، وبذلك خرجت الصين من القمتين فى موقع مختلف داخل كابينة القيادة الدولية.

وفى حين اتسمت زيارة ترامب بالطابع الاقتصادى، جاءت زيارة بوتين بتوليفة سياسية وإستراتيجية أعمق؛ لبناء توازن متعدد الأقطاب يرفض احتكار واشنطن لإدارة الأزمات وفرض العقوبات.

كما أصبحت الصين، الباحثة عن الطاقة، شريكاً لروسيا فى النفط والغاز عبر اتفاقيات جديدة أقل ارتباطاً بالدولار وأكثر استقلالاً عن النفوذ الغربى، وبالرغم من أن الحديث عن نهاية القطبية الأمريكية المطلقة لايزال مبكراً، فإن ما يحدث بين موسكو وبكين يؤكد دخول العالم مرحلة انتقالية تتراجع فيها الهيمنة التقليدية تدريجياً نحو الشرق.

لقد نجحت الصين فى استقبال قطبى الصراع الدولى، لتعلن فعليا أنها لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل لاعب رئيسى فى صياغة النظام العالمى المقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى