مذكرة التفاهم وكبش الأضحية

الأربعاء 10 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50941
بينما تترقب المنطقة الإعلان عن مذكرة تفاهم محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو المشهد وكأنه انتظار لنهاية حرب إقليمية لم تهدد أطرافها المباشرين فقط، بل وضعت الشرق الأوسط كله أمام اختبار وجودى امتدت تداعياته إلى العالم بأسره. فالحرب التى انطلقت من غزة، ثم تمددت إلى لبنان وسوريا والعراق، قبل أن تصل إلى إيران والخليج العربى، تحولت إلى أزمة عالمية أثرت فى الطاقة والتجارة والملاحة وأسعار الغذاء. المفارقة أن هذه التفاهمات تأتى مع حلول عيد الأضحى، وكأن المنطقة بأكملها تبحث عن «كبش فداء» ينهى سنوات الدم والنزيف، بعد أن دفعت الشعوب أثمانا اقتصادية وأمنية هائلة، فالحرب هددت استقرار أسواق الطاقة العالمية وأربكت حركة الملاحة فى المضائق البحرية، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد العالمى، ولهذا، فإن أى تفاهم أمريكى ـ إيرانى لن يكون مجرد اتفاق سياسى عابر، بل محاولة لإغلاق مرحلة كاملة من الفوضى. فالأولوية لم تعد البحث عن منتصر ومهزوم، لأن الجميع دفع الثمن، بينما تكشف أن الحرب نفسها هى الخاسر الأكبر، وحتى القوى التى حاولت توظيف التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية اكتشفت أن استمرار المواجهة يحمل مخاطر تتجاوز أى حسابات عسكرية. الولايات المتحدة، رغم خطابها الصارم، أدركت أن الحرب المفتوحة تستنزف نفوذها وتربك الداخل الأمريكى، خاصة مع تصاعد الضغوط السياسية والانتخابية على الرئيس ترامب، أما إيران، فسعت إلى تحويل خسائرها العسكرية إلى أوراق قوة سياسية، مؤكدة أن استهدافها لن يمر دون تأثير مباشر على مصالح المنطقة والعالم، خصوصا فى ملف الطاقة والممرات البحرية. لكن الخاسر الأكبر في أي تفاهم يبقى إسرائيل، لأن الاتفاق يعنى عمليا سقوط فكرة الحسم العسكري وإفشال الرهان على جرّ المنطقة إلى حرب شاملة تعيد تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، كما أن أي تهدئة طويلة ستفتح الباب أمام تساؤلات إسرائيلية داخلية حول نتائج الحرب وكلفتها السياسية والأمنية. فى المقابل، يمكن اعتبار الدول العربية هى الطرف المنتصر، بعدما تمسكت برفض الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، ودعمت مسارات التهدئة ودفع الأطراف المتصارعة إلى طاولة التفاوض. ومع اقتراب التوصل إلى تفاهم، تبدو المنطقة أمام لحظة تفرض التفكير فى «اليوم التالى»، باعتباره بداية مرحلة جديدة تكشف فشل دعاة الحروب والتصعيد أمام شعوبهم وأمام العالم.
