2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

تفكيك المشهد الشرق أوسطى بعد اتفاقية «فرساى» الثانية

الأحد 6 من محرم 1448 هــ
العدد 50966
وقّع الرئيس الأمريكى ترامب فى قصر فرساى مع نظيره الإيرانى مسعود بزشكيان -إلكترونياً لأول مرة فى التاريخ عن بُعد- بالأحرف الأولى مذكرة تفاهم لوقف حرب بين البلدين امتدت لنصف قرن منذ قيام نظام الحكم الحالى فى إيران.

لم يحن الوقت بعد لتفكيك المشهد بشكل كامل، وعلينا الانتظار لمعرفة استجابات الطرفين لمباحثات سويسرا. ولكن، يتعين قراءة المشهد بدقة؛ فالطرفان وقّعا الاتفاق بعد حرب ضروس قوضت النظام العسكرى والاقتصاد الإيرانى، وهى الحرب التى سُميت بـ «حرب نيتانياهو»، الذى نجح فى دفع واشنطن لهذه المواجهة ليستكمل ما بدأه ترامب بإلغاء اتفاق 2015 وتصفية قاسم سليماني؛ وهى الإشارة التى أوضحت رؤية ترامب لضرورة أن يعقب الاتفاقَ حربٌ تهز الشرق الأوسط.

غرور القوة دفع نيتانياهو لمعركة إيران، وطمع ترامب فى مجد سريع دفعه لغمس بلاده فى حرب لا منتصر فيها، والنتيجة أن نيتانياهو خسر بالكامل المشهد الذى خطط له لما بعد 2023 فى غزة ولبنان والعراق وسوريا، ثم إيران. وكان الأحرى به الاكتفاء بالقوة، لكنه اندفع إلى مواجهة أفقدت القوة معناها لتصل بالجميع لهذا الاتفاق.

ويشير المشهد إلى أن إيران قايضت سلاحها النووى بموقعها الإقليمى، بل وحصلت على ما يشبه «مشروع مارشال» لإعادة البناء. والأفضل الانتظار لنرى ما إذا كانت إيران قد تغيرت تماماً، وهل يشى مشهد بزشكيان وترامب بأن وراء الأئمة شيئا جديدا؟ لاسيما وأن الرئيس يمثل واجهة منتخبّة للتشكيلة المستقبلية هناك. أما أمريكا، فقد تدخلت مؤسساتها للجم طموحات ترامب ونيتانياهو؛ فالاتفاق نتاج عمل المؤسسات، ويعيدنا لنقطة اتفاق 2015 بوقف البرنامج النووى، لكن بعد معركة عسكرية طاحنة فشلت فى تغيير النظام، لتعود بالتعويضات إلى الصيغة الدبلوماسية.

الحرب لن تعود لأن الحزبين فى قلب الاتفاق، وإيران وعت الدرس. ولكن على المنطقة إعادة الحسابات؛ فلم تستطع القوة شطب أى طرف، والمعادلة الأكبر تكمن فى أن العرب يجب أن يعيدوا توازنهم بناء على معطيات مختلفة؛ فالقوة العسكرية وصلت منتهاها، والتوازن الآن للقوة السياسية والأمنية القائمة على الاعتبارات الجيواستراتيجية.

هذا الاتفاق يمثل المحرك الاستراتيجى للسياسة مستقبلا. والمشهد الجديد يجب أن يحررنا من «فوبيا ترامب»، ويكشف أخطاء إسرائيل التى هُزمت أمام الرأى العام العالمى، كما أن دول الخليج تحتاج لصياغة تحالفات جديدة مع القوى الغربية المختلفة بحسابات المكسب والخسارة، وعلى أسس تجلب السلام للمنطقة ككل دون سيطرة أى قوة على مقدرات الإقليم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى