تشارلز الثالث.. زيارة وخطاب فى أمريكا!

السبت 14 من ذي القعدة 1447 هــ
العدد 50916
يا لها من زيارة تاريخية (4 أيام فى نهاية أبريل الماضى) شهدت زيارة ملك المملكة المتحدة إلى «أمريكا- ترامب» خطابا لم يكتبه تشارلز الثالث وحده يوم الثلاثاء الفائت، بل كتبته المملكة المتحدة بأسرها؛ بكل تاريخها وإرث إمبراطوريتها، أمام الكونجرس الأمريكى، وهو الأول من نوعه فى عهده.
إننى أقولها بكل بساطة ودقة إنها زيارة ملكية بالغة التأثير وعميقة لاحتواء تداعيات خطابات، وتصرفات، وسياسات الرئيس ترامب التى أحدثت مخاوف من تصدعات فى جدران الحضارة الغربية والعالمية، وأعمقها تلك التأثيرات عبر الأطلسى بين الأم (بريطانيا) والابنة الكبرى (أمريكا) التى كبرت وتطاولت فى عصر ترامب، رغم الفروق التى تراكمت خلال 250 عاما من عمر استقلالها، وقد كان الملك على قدر اللحظة الاستثنائية؛ حيث تتقاطع الأزمات الجيوسياسية، بل تخطى الخطاب السياسى الترامبى إلى أدنى المستويات، حيث الرمزية فى الزيارة والرسائل السياسية وصلت إلى العمق، وبلغت حكمة الملك، وثقافته الرفيعة ذروتها، وقد تداخل الطابع الاحتفالى مع الأهداف السياسية البعيدة؛ ولن يرى الكثيرون عمق ما حدث وتأثيره الآن، ولكن تفاعلاته ستظهر مستقبلا، لأنه أيقظ المؤسسات التى نامت بفعل السياسات الترامبية، وسنرى نتائجها فى الـ«1000 يوم» المقبلة من عمر حكمه، وعليكم أن تراقبوا ذلك، وهكذا، وبفضل التوازن الدقيق فى تمثيل المصالح، وتجنب الخلافات السياسية، أحدث الملك رمزية التاريخ التى لم تغب، لكن ضغوط الحاضر كانت أقوى وأكثر تأثيرا، فخطفت كل الاهتمام، وتداعت أمامنا كأنها تحدث لأول مرة، مما نقل تشارلز الثالث دفعة واحدة ليكون من كبار عظماء المملكة المتحدة والحضارة الغربية، والأمريكية خاصة؛ لأنه أوقف انحدارها، وتدنى لغتها مع ترامب.
وأخيرا، يبدو لى من خطاب تشارلز وملاحظاته طوال أيام الزيارة أنه كان فى قمة تألقه وحضوره الذهنى، وأنه أعد نفسه جيدا، فجاءته اللحظة التاريخية مواتية لتضعه فى مكانه الصحيح بالتاريخ الإنجليزى والأمريكى، وكذلك الأوروبى والعالمى؛ لينجو بواحد من أعظم التحالفات فى تاريخ البشرية من أن يحطمه رئيس أمريكى عابر فى الزمان قبل أن تستفحل الأزمة وتستعصى على الحل، ويثبت أن سلطته الملكية الرمزية كانت القوة الأكبر فى «عصر اللا يقين».
