أمير الغناء الحزين!

الأربعاء 18 من ذي القعدة 1447 هــ
العدد 50920
برحيل الفنان هانى شاكر لا تخسر الأغنية العربية مجرد مطرب كبير، بل تفقد أحد الأصوات التى شكلت وجدانها عبر سنوات طويلة، ورافقت تحولات المجتمع بتعبير صادق وهادئ. لم يكن حضور هانى قائما على الصخب أو المفاجأة، بل على الاستمرارية والقدرة على البقاء فى منطقة قريبة من الناس، حيث تعيش المشاعر البسيطة، وتترسخ الذكريات، وقد تميز هانى بصوت يحمل حساسية خاصة، حيث يجمع بين العذوبة والوضوح، ويمنح الكلمة معناها الكامل من دون أن يطغى عليها، ففى كل مرة كان يقف فيها أمام جمهوره لم يكن يقدم أغنية فحسب، بل كان يقدم جزءا من ذاته؛ بصوته الذى حمل رهافة نادرة، وبأدائه الذى اتسم بالوقار والصدق، إذ لم يكن أداؤه قائما على الاستعراض، بل على الإحساس؛ وهو ما جعل أغنياته أقرب إلى جمهوره، وأكثر قدرة على البقاء، وفى زمن تغيرت فيه معايير كثيرة ظل هو محتفظا بخط فنى واضح يراهن على القيمة لا على مجرد الانتشار السريع، وفى الأغنية العاطفية استطاع أن يقدم نموذجا مختلفا؛ حبا بلا ضجيج، وحزنا بلا افتعال، أما فى الأغنيات الوطنية فكان صوته يحمل الكثير من الصدق مما يجعله أقرب إلى التعبير الإنسانى منه إلى الشعارات، وهو ما منح تلك الأعمال خصوصية واستمرارية، ولم يقتصر حضوره على الغناء فقط، بل امتد إلى موقعه فى الدفاع عن المهنة، والمشاركة فى صياغة ملامحها فى مرحلة كانت تشهد الكثير من التغيرات، ومع ذلك ظل محافظا على صورته كفنان يضع الاحترام فى مقدمة علاقته بفنه وجمهوره. وأخيرا، رحيل هانى شاكر يفتح بابا للتأمل فى طبيعة ما يبقى من الفنان بعد غيابه، فالأصوات نعم قد تصمت، لكن أثرها لا يختفى؛ بل يظل حاضرا فى الأغنيات التى نعود إليها، وفى اللحظات التى نجد فيها أنفسنا نستدعى هذا الصوت دون قصد.. ربما غاب عن عالمنا، لكن ما قدمه سيظل شاهدا على زمن كان فيه الصوت رسالة، وكان الإحساس معيارا حقيقيا للبقاء، وبينما تتغير الأذواق، وتتعاقب الأجيال، تبقى بعض الأصوات قادرة على عبور الزمن، لأنها لم ترتبط به فقط، بل عبرت عنه بصدق، وبهذا المعنى يظل هانى شاكر حاضرا لا يغيب.
