2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

كعكة المشنقة!

السبت 21 من ذي القعدة 1447 هــ
العدد 50923
لم تكن كعكة عيد ميلاد إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومى الإسرائيلي، مجرد تفصيلة فى احتفالية شخصية، بل تحولت إلى مشهد يختزل تحولات أعمق فى الخطاب السياسى والاجتماعى داخل إسرائيل، فعبارة «أحيانا تتحقق الأحلام» التى كُتبت على الكعكة، إلى جانب حبل المشنقة الذى زينها، جعل من الاحتفال امتدادا للسياسة، ومن السياسة تجسيدا صريحا لثقافة العنف والموت، وهذا التداخل بين الخاص والعام، والاحتفال والسياسة يكشف عن انزلاق خطير فى بنية الخطاب الإسرائيلي، فحين تتحول مناسبة، يُفترض أن تكون إنسانية مثل عيد الميلاد، إلى منصة لاستعراض رموز الإعدام والانتقام، فإننا نكون أمام تعبير عن مزاج اجتماعى وسياسى يحتفى بالعنف، وأعتقد أن المجتمع الذى تُزيَّن فيه كعكة عيد الميلاد بحبل مشنقة ليس فقط مجتمعا فقد حساسيته تجاه رمزية الموت، بل هو مجتمع يعيد إنتاج العنف كقيمة، ويمنحه شرعية مطلقة داخل نظامه. اللافت أن هذا المشهد أثار جدلا حتى داخل إسرائيل، حيث رأى منتقدون أن ما جرى ليس سوى «خليط سام من التفاهة السياسية والانحدار الأخلاقي»، وبينما انشغل الحاضرون بالرقص والتقاط الصور كانت أصوات أخرى تشير إلى المفارقة الصارخة (مجتمع يعانى تفشى الجريمة والعنف)، لكنه يجد وقتا للاحتفال برموز «الإعدام»، بل تقديمها بوصفها «إنجازا سياسيا»، وهذه المفارقة تعكس خللا عميقا فى ترتيب الأولويات، حيث تُستبدل عروض استعراضية للعنف بالأمن الحقيقي، والأخطر من ذلك هو ما تحمله هذه الواقعة من دلالات، فمجرد توظيف «رموز الموت» فى سياق احتفالى يسهم فى توسيع دائرة التحريض، ويغذى خطابا قائما على نزع إنسانية الآخر، فالإشكال الذى يكمن فى الدعوة إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين أضيفت إليه الطريقة التى تُقدم بها هذه الدعوة كحلم يتحقق، وإنجاز يُحتفل به، وكجزء من هوية سياسية تُبنى على الانتقام، وهذا النمط من الخطاب لا يكتفى باستهداف الفلسطينيين، بل يمتد ليطول كل من يختلف أيديولوجيا، بما فى ذلك قطاعات داخل المجتمع الإسرائيلى نفسه، فتوظيف «رموز الموت» (حبل المشنقة) فى سياق احتفالى يرسخ خطابا متطرفا شاذا، لا يكره العربى فحسب، بل يكره اليهودى العلمانى والحريدي.. وكل من ليس على صورته وأيديولوجيته، ومن زاوية أوسع يمكن قراءة هذه الواقعة بوصفها انعكاسا لأزمة سياسية أعمق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى