مصر وفرنسا من بوابة سنجور!

الأثنين 23 من ذي القعدة 1447 هــ
العدد 50925
دخلت العلاقات المصرية – الفرنسية مرحلة أكثر نضجا فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس إيمانويل ماكرون، حيث تحولت باريس إلى أحد أبرز الشركاء الأوروبيين للقاهرة فى ملفات الأمن، والطاقة، والنقل، والتنمية، والتعليم، لذلك لم يكن إعلان رفع مستوى العلاقات إلى «شراكة إستراتيجية» خلال زيارة ماكرون للقاهرة فى أبريل 2025 مجرد توصيف دبلوماسى، بل اعتراف متبادل بأن البلدين باتا شريكين فى إدارة توازنات إقليمية حساسة، ويزيد هذا التقارب وضوحا اقتراب الرؤيتين المصرية والفرنسية تجاه العديد من قضايا المنطقة، سواء فيما يتعلق بدعم الدولة الوطنية، أو رفض الفوضى، أو الدفع نحو حلول سياسية فى ليبيا، وغزة، وسوريا، علاوة على التنسيق المستمر فى مواجهة الإرهاب، والهجرة غير المشروعة. وفى هذا الإطار تكتسب زيارة ماكرون الحالية إلى الإسكندرية دلالة خاصة، إذ تؤكد أن المتوسط لا يزال مساحة مشتركة للتأثير الثقافى والسياسى بين البلدين، فالإسكندرية، بتاريخها ورمزيتها، ليست مدينة مصرية فحسب، وإنما إحدى أهم الحلقات التى تشكلت فيها ملامح التفاعل المصرى- الفرنسى عبر عقود طويلة، مما يجعلها المكان الأكثر تعبيرا عن فكرة التواصل الحضارى والترابط بين الجانبين، ومن هنا جاء افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور باعتباره مشروعا أكاديميا يعكس استثمارا مشتركا فى المستقبل الإفريقى، ورسالة تؤكد أن القاهرة وباريس لا تسعيان فقط إلى إدارة أزمات الحاضر، بل تعملان أيضا على صناعة أجيال جديدة قادرة على قيادة التنمية والاستقرار فى القارة، فالمقر الجديد، المقام على مساحة 10 أفدنة، والمصمم وفق أعلى المعايير الأكاديمية، يستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعة، واستقبال المزيد من الطلاب الأفارقة بدءا من سبتمبر المقبل، مع اعتماد دولى لشهاداتها، وتوسع شبكتها فى 17 دولة إفريقية، وهكذا تبدو العلاقات المصرية – الفرنسية اليوم وكأنها مسار تاريخى متصل الحلقات؛ بدءا من التفاعل الثقافى والعلمى، مرورا بالشراكات السياسية والاستراتيجية، ووصولا إلى الاستثمار المشترك فى المستقبل. وختاما، فإن الرابط بين مصر وفرنسا يمثل نموذجا يعكس كيف يمكن أن يتكامل التاريخ والثقافة والسياسة معا لصناعة شراكة قادرة على البقاء والتطور، تنتقل من فك رموز حجر رشيد إلى محاولة فك تعقيدات الإقليم، ومن البعثات التعليمية فى القرن التاسع عشر إلى شراكات العلم والتنمية فى القرن الحادى والعشرين.
