2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

تَحَوُل الخطاب الأمريكى!

الأربعاء 28 من رمضان 1447 هــ
العدد 50871
لا يمكن فهم الحروب الأمريكية فى القرن الحادى والعشرين دون فهم العلاقة العضوية بين آلة الحرب وآلة الاستعراض، فمثلا بوش الذى لم يخدم يوما واحدا فى ساحة معركة حقيقية، ظهر وهو يقود طائرة مقاتلة ليهبط على حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» فى مشهد مُعد بعناية سينمائية فائقة، ثم وقف ليلقى خطاب «النصر» تحت لافتة «المهمة أُنجزت» فى الأول من مايو 2003، وقد كان ذلك المشهد تجسيدا صارخا لثقافة «تحويل الحرب إلى عرض مسرحي»، حيث يُختزل دمار مدن بأكملها ومقتل الآلاف فى «لقطة بطولية» لرئيس يرتدى بذلة طيار، ولم يكن المشهد موجها للعالم بقدر ما كان موجها للناخب الأمريكى الذى نشأ على أفلام هوليوود، والذى يحتاج إلى «بطل» يشبه أبطال الشاشة كى يمنحه تأييده. واليوم، يكرر بيت هيجسيث- وزير دفاع ترامب- المشهد ذاته، لكن بأسلوب أكثر فجاجة وابتذالا، فهو يتحدث عن قصف إيران وكأنه يعلق على مباراة كرة قدم أمريكية حين يقول: «نحن نضربهم وهم فى حالة ضعف، وهذا ما ينبغى أن تكون عليه الحال»، بل إنه يقارن بفخر بين حجم القوة الجوية المستخدمة ضد إيران وتلك التى استُخدمت فى «صدمة ورعب» العراق عام 2003، وكأن مقياس النجاح هو حجم الدمار لا تحقيق أهداف سياسية واضحة.

إن هذا التحول فى الخطاب العسكرى الأمريكى (من لغة الإستراتيجية إلى لغة الترفيه والاستعراض) يكشف عن خلل بنيوى عميق فى الوعى الأمريكى بمفهوم الحرب، فحين يصبح قصف المستشفيات، والمدارس، والمراكز الطبية والأندية الرياضية – كما وصفها إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، مجرد «نقاط» فى مباراة، فإن الإنسانية تكون قد بلغت حضيضا أخلاقيا يصعب التعافى منه، لكنهم لا يدركون أن إيران ليست العراق، فأخطر ما يفعله ترامب ومستشاروه هو إسقاط نموذج الحرب العراقية على إيران، متجاهلين فوارق جوهرية قد تحول هذه المغامرة إلى كارثة إستراتيجية غير مسبوقة، وهذا الواقع يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة لم يواجهها بوش فى بداية غزو العراق، فالخصم هذه المرة يرد بقوة وفاعلية، والثمن الاقتصادى يتصاعد بسرعة مرعبة، والأسواق العالمية تتقلب بعنف، والغضب الدولى يتنامي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى