فتح معبر رفح..!

الخميس 17 من شعبان 1447 هــ
العدد 50830
يمثل فتح معبر رفح (الذى أغلقه الاحتلال الإسرائيلى من الجانب الفلسطينى) لأبناء غزة النافذة الوحيدة نحو العالم الخارجى، فهناك آلاف المرضى الذين تتوقف حياتهم على قرار فتحه أو إغلاقه، وكذلك طلبة الجامعات الذين يعيشون معلّقين بين قبولٍ أكاديمى مؤكد ومستقبل مجهول، أما الفلسطينيون العالقون خارج القطاع فيحمل معبر رفح لديهم معنى مختلفًا لا يقل قسوة؛ فهو الطريق الوحيد للعودة، وزيارة الأهل، والاطمئنان على من تركوهم تحت القصف والحصار، ومع كل إغلاق جديد يتعمق الإحساس بالعجز، وتصبح المسافة النفسية أشد قسوة من الجغرافية، وخلف تلك المخاوف بقى جدار الصمود الفلسطينى حائلا أمام أطماع دولة الاحتلال التى فشلت، بعد عامين من القتل الممنهج، والإبادة، والتجويع، فى تحقيق نصر حاسم، أو فرض واقع ديموغرافى جديد يدفع الفلسطينيين إلى الهروب من قطاعهم، وهذا الصمود، المدعوم بإرادة شعبية راسخة حرم إسرائيل من تحقيق أطماعها، وأفشل مشروع التهجير رغم كل المحاولات. أعتقد أن إعادة فتح معبر رفح تكتسب دلالة سياسية تتجاوز بُعدها الإنسانى المباشر، فالمعبر لم يُفتح نتيجة تحول فى الرؤية الإسرائيلية، أو مراجعة أخلاقية لسلوك الاحتلال، بل جاء ثمرة ضغوط متراكمة، فى مقدمتها الإصرار المصرى على تثبيت معادلة واضحة (لا خروج من دون ضمان العودة، ولا إدارة للمعبر تُستخدم كأداة ضغط أو مدخل لإعادة إنتاج سيناريو التهجير)، حيث لم تيأس إسرائيل، وأصرت على أن يكون عدد الخارجين الفلسطينيين من القطاع ضعفىّ عدد الداخلين حتى تنفذ التهجير، لكن بصورة بطيئة، ومرة أخرى رفضت مصر وأصرت على تناسب عدد الخارجين والداخلين حتى لا يتحقق التهجير بصورة ناعمة، وهذا الإصرار المصرى أجبر الحكومة الإسرائيلية، بعد المراوغة والمماطلة، على القبول بفتح المعبر، باعتباره اختبارا لجدية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب فى غزة. لذلك، لا يمكن النظر اليوم إلى تشغيل المعبر، ولو بصورة تجريبية أو بطاقة محدودة، باعتباره إجراء إداريا معزولا، بل كمؤشر واضح على فشل سياسة الإغلاق والحصار فى تحقيق أهدافها، واضطرار إسرائيل إلى التعامل مع واقع جديد تُفرض فيه اعتبارات إنسانية وسياسية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
