فيلسوفا كان بيننا.. فلا تظلموه بعد الرحيل!

الأثنين 23 من رجب 1447 هــ
العدد 50806
رحل عالم، وفيلسوف قوىُ الحجة، والبيّنةُ عُمقُ الرؤية، إنه الدكتور مراد وهبة الذى يجب ألا تظلموه بعد الرحيل، بل ادرسوه بعمق، ودقة، وتأنٍ، لأن كلماته، وكتبه، ومقالاته ستبدو أمامكم فى الدراسة بليغة جدا، وأرفض اتهامه بالانسحاق للغرب، أو أنه برر للصهاينة الاستيلاء على فلسطين، كما أن مقارنته بالفلاسفة، أو الأساتذة الآخرين فى مقالات، وليس دراسات، فى نوع من محاولات التقليل من مكانته، وعلمه، واستقامته- مرفوضة، بل مرفوضة جدا، لأن كل عالم له خصائصه، وله وعليه. إن الدكتور مراد وهبة لم يكن متعصبا دينيا، ورغم أنه مسيحى مصرى عميق، فإنه يعتز بالحضارة الإسلامية التى قدم لها، واعتبرها مقدمة للحضارة المعاصرة الغربية التى شاركنا فيها جميعا، ولكنه كان يرفض العقل السلفى المتعصب الذى يقف حجر عثرة أمام العرب الشرقيين فى الاندماج مع الحضارة المعاصرة التى لا تلجأ إلى التسطيح أو التبسيط فى دراسات الدكتور مراد وهبة، لأنه كان راغبا فى أن تصل الفلسفة إلى جميع المواطنين، لأن المعنى أن يصل العقل، وليس الخرافة، إلى الذهن الشرقى، ولذلك فإن رائد التنوير المعاصر، الذى رحل منذ أيام قبل أن يصل إلى عُمر الـ 100 عام بأشهر، فكره متوهج، بل يسبق عصره، فقد حمل ابن رشد، الذى غيبه العقل الموروث على كتفه، ونقله لنا من العالم العربى، لأنه ابننا، أو ابن الفلسفة العربية، بل إن الدكتور مراد وهبة، بلا تعصب، شرح الفارابى، وابن سينا لكى يثبت للعقل العربى أن موطن الفلسفة عربى، وليس غربيا، فهل هذا الذهن يشعر بالاضمحلال، أو الضعف، أمام الحضارة الغربية؟، أرى ألا تظلموا العالم الجليل، لأنه رائد عظيم أراد وعمل على تجديد الفكر العربى. وأخيرا، لقد كنت سعيدا بمبادرة مكتبة الإسكندرية لافتتاح مئوية الدكتور مراد وهبة، ونحتاج منها أن تستكمل هذه المبادرة، خاصة بعد رحيله، واكتمال مشروعه العلمى، والثقافى، والفلسفى، وكل التحية للفيلسوف الدكتور مراد وهبة، ولا أخفيكم أن ما شهدته من البعض بعد رحيله أخافنى جدا على عقولنا التى أضيف إليها التسطيح، والترند، مع الخرافة والجهل.
