مقالات الأهرام العربى

الأستاذ أسامة سرايا المحترم رئيس تحرير الأهرام العربى

تحية طيبة وبعد

فجعنى التحقيق الذى كتبه السيد خيرى رمضان عن بغداد التى لم يعرفها جيدا وله الحق طبعا فى أن يكتب رأيه كيفما كان.. ومن حقى كعراقية أولا وكزميلة قلم فأنا كاتبة وعضو اتحاد الصحفيين العرب أن أقول رأىى، ومن حقنا عليكم أن تنشروا ـ مشكورين ـ هذا الرأى أو ذاك مادام لا يخل بسياسة المجلة، آملة أن ينشر ردى غير منقوص فى أقرب عدد.

مع جزيل شكرى وامتنانى وتقديرى لكم شخصيا وللمجلة الغراء.

مهمة خطيرة فى بغداد

الله وحده يعلم لم تكبد السيد خيرى رمضان كل هذه المشاق ليذهب إلى بغداد بحثا عن بنات الليل؟ كما يقول فى افتتاحية التحقيق الذى كتبه من بغداد الجنس والفن والبيزنيس والحرية.. مقابل النفط.. الذى نشر فى ˜الأهرام العربىŒ بتاريخ 24 مارس 2001، وكان الأحرى به إذا كان هذا هو كل هدفه من هذه الرحلة العسيرة ألا يذهب بعيدا.

لقد أضاع وقته فى تجشم عناء السفر بصحبة أناس لا يحبهم على حساب رجل أعمال يشعره بمهانة شديدة إلى مدينة لا يحبها ليلتقى بشعب لا يحبه. ذهب وقلبه ينطوى على أحكام مسبقة فأضاع على نفسه فرصة التعايش مع العراقيين والاقتراب منهم.

يقول لم أجد فيها ـ بغداد ـ إلا الغربة والخوف والابتسامات الباهتة والأحضان الباردة والصمت المرعوب وهى حالات ربما تصف أعماق الكاتب نفسه ولكنها لا تصف العراقيين بالتأكيد.. فليس مثل العراقيين حرارة وحبا وعاطفة إلى الغريب قبل القريب. وكل من ذهب هناك حتى للمرة الأولى كان الانطباع الأول إحساسه بأنه بين أهله كما أن العراقيين ـ رغم قساوة الحصار ـ مازالوا يدهشونك بضحكاتهم الصادرة من القلب. ولكن السيد خيرى رمضان ذهب كما أسلفت وهو يحمل ـ لسبب غير مفهوم ـ مشاعر غريبة. باهتة وباردة وخائفة.. وإلا فكيف لعربى يحط على مطار بغداد فى طائرة عربية بعد أكثر من عشر سنوات من الفراق فينقبض قلبه؟ كما يصف أول إحساسه؟

بأى مشاعر سافر السيد رمضان إلى بغداد حتى إنه لم يصدق أن يسمع جملة أهلا بكم فى وطنكم الثانى التى قالها له موظف الجوازات فى مطار صدام، لولا أنه سمعها بعد ذلك مرارا من العراقيين الذين التقيتهم فى المقاهى والشوارع؟

بأية نيات ذهب السيد خيرى رمضان إلى بغداد وهو يفكر منذ وصوله فى الهروب من أطفال المستشفيات وملجأ العامرية ومن الكتابة عما يريده العراقيون؟ فإذا كان هذا ما يريده العراقيون أن يكتبه معاناة الأطفال وجرائم الحرب.. فما الذى كان يبحث هو عنه؟ بحثت عن بنات الليل فى بغداد لأسمع ما فعله بهن الحصار.. ونعم البحث ونعم الهدف إن دل على شىء فإنه يدل على الروح المبدعة والفكر الخلاق والنزعة إلى الحرية التى يتمتع بها السيد رمضان. فأنت ترى عزيزى القارىء ـ أن جميع من سافر إلى العراق لبحث آثار الحصار ـ سواء كانوا أجانب أم عربا ـ كانوا للأسف أناسا لا يحملون الروح الحرة التى يتميز بها الكاتب.. وهكذا كانوا ينساقون إلى ما يريده منهم العراقيون.. فيكتبون عن آثار الحصار على الأطفال وطلاب المدارس الذىن لا يجدون أقلام الرصاص أو طاولات يجلسون عليها فى المدرسة.. والشباب الذى لا يجد عملا.. والعجائز المتقاعدين الذين أكل الحصار تحويشة أعمارهم، ورب البيت الذى يتحايل على المعيشة ببيع أثاث منزله، وربة البيت التى تعانى أشد المعاناة فى قسمة اللقمة بين أطفالها، وبعضهم يشتط بعيدا فى الكتابة عما يريده العراقيون فيبحث فى آثار الحصار على الثقافة والإبداع مع نقص المواد اللازمة للمبدع من كتب وأوراق وأقلام وأصباغ وديكورات مسرح وأوتار عود وأفلام خام.

ولكن السيد رمضان كان رسول مهمة جليلة أخرى فقد ذهب يبحث عن بنات الليل فى بغداد.. ولكنه ـ مع الأسف ـ لم يجد أحدا فى الشارع.. وليت شعرى. هل تعود أن يجدهن فى الشوارع؟ وبنات الليل صاحبات أقدم مهنة فى التاريخ موجودات فى كل مكان وزمان وليس من الضرورى أن يكون على هذا البلد أو ذاك حصار ليتكاثرن.

باختصار.. كانت رحلة خائبة بكل المقاييس وليته ما ذهب.. فقد ذهب بمشاعر خاطئة وتلقى انطباعات خاطئة.. وفشل فى العثور على ما يريد.. ولم يرأو يسمع سوى معلومات خاطئة.. فهو لم يسمع مثلا سوى نكتة وحيدة مع أن العراق يمور بالنكات وهى نكتة رآها تختصر الوضع فى العراق وتفسر سر غياب الإبداع هناك. فاللوحات التشكيلية كلها استنساخ للوحات عالمية.. الانطباع الخاطىء مرة أخرى.. فهو مثلا لم ير سوى اللوحات التشكيلية التجارية التى تباع فى سوق معينة فى إحدى مناطق بغداد.. لم يتعب نفسه بالذهاب إلى معارض الفن الجادة أو متاحفه.. ولم يلتق دون شك بأديب عراقى واحد.. وإلا لكان حدثه عن فيض الإبداع والمبدعين.. وكيف يكتب العراقيون بغزارة متخذين من الكتابة فعل مقاومة للموت والفناء.. حتى إنهم يلجأون بسبب الحصار الثقافى ونقص المطابع إلى استنساخ رواياتهم وأشعارهم على آلات الاستنساخ لتوزيعها على القراء ولكان حدثه عن الجوائز العربية والعالمية التى يحصدها الأدباء المحاصرون والجوائز التى يجنيها المسرحيون العراقيون فى المهرجانات العربية والجوائز التى ينالها الفنانون التشكيليون فى المعارض الدولية وآخرها بينالى القاهرة.

ما أضيع هذه الرحلة التى قام بها الكاتب مغمض العينين والقلب فلم يتسن له أن يرى ويفهم ويعرف.. وحسنا فعل إذ يقول قطعت رحلتى وقررت العودة عن طريق الأردن بحثا عن نسمة هواء، نسمة حرية بعد أن طاردنى الإحساس بأننى سجين ولعمرى لقد كنت سجين صقيع مشاعرك وأهدافك الخائبة، فلم تحس بعذوبة الحرية فى أن تتعرف على أهل العراق الذىن فوجئت بهم ـ بعد أن تركتهم أكثر من عشر سنوات يقاومون وحدهم القنابل الغبية والذكية والجوع والمرض والحرمان يستقبلونك مهللين أهلا بك فى وطنك الثانى والذىن فتحوا لك قلوبهم فلم تر فى مراياها سوى سوء نياتك.. والذين أيضا رغم القنابل الغبية والذكية والجوع والمرض والحرمان.. لم تجد فى شوارعهم بنات ليل.

بثينة الناصرى

كاتبة عراقية مقيمة فى القاهرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى