مقالات الأهرام العربى

السيد أسامة سرايا

بعد التحية

الملك .. والقرود الثلاثة

كلنا يعرف منذ الصغر حكاية القرود الثلاثة، هذه الحكاية الهندية المعروفة منذ القدم لكل الناس، وبالذات لمن اهتم منذ الطفولة أو يهتم اليوم بالقرود والحرية..

تقول الرواية الهندية إن هناك ثلاثة قرود شهيرة خرجت من الهند على شكل تماثيل صغيرة تفوق فى شهرتها تمثال بوذا فى اليابان، لأنك إذا زرت اليابان تجد تمثال بوذا يقف فى كل مكان، يتعلقون به بديلاً عن العقيدة المفقودة هناك أو للأديان عموماً فإن الشعوب إذا لم تجد ديناً، تتعلق بأى شىء طالما ينقصها الوازع الدينى، فتملأ هذا الفراغ الدينى بتمثال أو عقيدة زائفة، وهذا إذا دل فإنما يؤكد أن الدين هو الفطرة التى فطر الناس عليها.

ثلاثة قرود هندية، الأول معصب العينين، والقرد الثانى مغلق الفم والثالث وضع إصبعيه فى أذنيه، وقد جلس القرود الثلاثة فوق قطعة أو قاعدة رخامية واحدة كتب عليها لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، قمة الظلم والديكتاتورية أو هى العبودية، أو دعوة لكتم الأنفاس.

أما إذا عرفنا لماذا اختار هذا الحاكم الطاغية القرود، لأن علماء الحيوان يقولون إن القرود بطبيعتها تعشق الحركة، والصراخ، والأفراح، أو النط والقفز من فرع إلى فرع آخر، وأن عالم القرود بعيد كل البعد عن هذا الغبن الذى أراده هذا الحاكم لشعبه، وزرعه فى نفوسهم على هيئة تماثيل، ينشرها حوله ووسط الأحياء فى رسالة، كأنه يقول لهم، لا تتكلموا، ولا تسمعوا ولا تنظروا وعليكم بالسير خلفى كالأغنام.

كما تناولت بعض الكتب الهندية فى الوقت نفسه تفسيرات أو تأويلات عديدة وكثيرة لهذه القرود الهندية الثلاثة الشهيرة، وتحدثوا عن الحكمة التى ينقلها الفنان للناس من خلالها وأن لها معانى الطاعة، أو الصبر على شهوة الكلام، والوفاء حتى لا تقع فى الخطأ.

نفس فكرة لعبة ˜اليوجاŒ التى تدعو الناس إلى مثل هذه المعانى من الفلسفات الشرقية الغريبة التى تبعث على البحث أو تعلمنا الصبر علي  حد قولهم.

القرد بطبيعته لا يعرف الحزن

لذلك ترى القرد دائماً كأنه مبتسم، هادىء، اجتماعياً، يحب الأطفال ويحبونه، تراه متفائلاً، قانعاً، راضياً صابراً أنه حيوان اجتماعى التكوين.

عجيب أمر الإنسان، كأنه يعيش داخل بركان، لا يرضى بما قسم الله له، فصارت حياته جحيماً، ولو فكر قليلاً ونظر إلى القرود وفلسفة القرود فى الحياة لتعلم منها الكثير.

شاهدت القرد حزيناً لأول مرة في حياته على شاشة التليفزيون المصرى من خلال البرنامج التليفزيونى الرائع ˜غرائب وطرائفŒ خلال شهر مارس من عام 2001، تستعرض لنا الكاميرا من خلال لقطة طبيعية، نادرة لتمساح ضخم، خطف قرداً صغيراً وليداً فى أيامه الأولى، عندما غفلت الأم عنه، فى لمح البصر، لتسقط هذه الحكمة القديمة التى سمعناها فى الصغر عن مدى حرص أم القرد على إخفاء وليدها عندما قالوا أنت الوحيد اللى يعرف القرد مخبى أبنه فين؟ لتدلل لنا على مدى حرص أم القرد على إخفاء أطفالها عن أعين الوحوش فى الغابة، ولكنه القدر عندما يعمى البصر، لأننا مع القدر حين نولد وحين نحب  وحين نموت، وكذلك القرود، ولكن غدر التمساح يفوق الحرص وهو يخطف الوليد، أو يخطف قلب الأم.

تصرخ الأم على خطف وليدها صرخة استغاثة تدوى فى المكان كله صرخة معروفة عند عالم القرود، وفى ثوان تتجمع كل قرود المنطقة، تحيط بالتمساح المشهور بالشراسة والغدر، وهو فى طريقه للقفز إلى البركة الضحلكة، بينما يحمل القرد الوليد أو الغنيمة بين أسنانه ليفوز بفريسته السهلة، ولكن هيات، هيهات، لأن القرود عرفوا بغزيرتهم ودرسوا طبيعة التمساح التشريحية، إذ التماسيح لا تستطيع بأى حال من الأحوال الالتفاف فى حركة دائرية لذلك نراها تسير فوق اليابسة على خط مستقيم دائماً وسبحان الله.

تجمعت فرق الإنقاذ السريعة من القرود حول التمساح وعلى ا لجانبين، فوق رأسه، صراخ وعويل، وضرب باليدين والرجلين مما أصاب التمساح بالفزع، والشلل وعدم القدرة على التركيز، ولم يعد يفكر إلاّ فى محاولة الهروب أمام القرود ˜صحيح من أسماكم قرودŒ.

عندما يلفظ التمساح القرد الصغير من بين أسنانه وتتلقفه الأم بين أيديها، ولكن بعد فوات الآوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولأول مرة فى حياتى أرى القرد يبكى، مع أن القرود لا تعرف الحزن، عندما شاهدت الأم تحمل ابنها الوليد بين أيديها ودموعها على خديها، تشكو لربها ظلم التماسيح للقرود.

فى الوقت الذى يسقط فيه الإنسان فى فلسطين شهيداً، كل يوم ولم تتجمع النخوة العربية لمجرد التعبير أو الصراخ، مجرد أن تصرخ فى وجه التمساح الإسرائيلى كما فعلت القرود، بيوت تهدم ونساء تغتصب فى فلسطين، وكرامة تهدر ووطن يسلب ومازال يسلب من بين أيدينا قطعة قطعة، ومساجد يذكر فيها اسم الله يتم إزالتها أو تدنس، وأكثر من ألف مليون مسلم، عاجزين، غائبين عن الوعى، لا يتحرك لهم ساكن، لإنقاذ أخوة لهم مسلمين، هانت عليهم نفوسهم فاستذلهم عدوهم، كأنهم ينتظرون الدور لذبحهم ذبح الشاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولك الله يا فلسطين ، ورحم الله مصر سنة ألفين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى